فلسفة الثقة في بيئة العمل
November 19, 2020

فلسفة الثقة في بيئة العمل

تعد الثقة إحدى القيم الجوهرية التي يفهمها وينشدها الإنسان مثلها مثل الحب والحرية وغيرها. ويدرك الجميع أن قضية الثقة من أهم القضايا الشخصية والاجتماعية والمهنية. المسألة المهمة فيها هي كيف نفهم الثقة وأهم من ذلك كيف نستطيع أن نبني الثقة بدلا من أن نؤكد أهميتها ببساطة، والأكيد أن الفهم المجرد لجوهر الثقة لا يفي بالغرض وحده، ولا يضمن تحقيقها. فالثقة تتطلب ممارسات مستمرة ترسخ معانيها، ومن دونها لا يصل الفهم لها لأي نتيجة.

وبالانتقال إلى بيئات العمل، تحضر الثقة بمفاهيمها في الكيان الإداري للمؤسسات حضورا متفاوتا بحسب الإدارات والممارسات والقادة والأفراد. فقد ساهمت التغيرات والتطورات المتلاحقة التي يشهدها العالم، في تزايد الاهتمام كثيرا بموضوع الثقة لدى كثيرٍ من رجال الإدارة والأعمال استشعاراً منهم للدور الكبير الذي تمثله الثقة داخل المؤسسات، وكذلك إيماناً منهم بأن الثقة المتبادلة داخل بيئات العمل عنصرٌ حاسمٌ في تحقيق الأهداف بكفاءة. ولعلنا لا نبالغ إن قلنا أن الثقة قوة كبرى للمؤسسات، ولو قلنا أن الثقة أزمة خطيرة تتهاوى لفقدها أركان بعض المؤسسات فالأمر أيضا صحيح.

ولتوضيح طبيعة مفهوم الثقة داخل بيئة العمل فهي ببساطة إدراك الفرد لما يلقاه من دعم ورعاية وإشباع من جانب المؤسسة، وفي المقابل إدراك الرؤساء لقيام الموظفين بمسؤولياتهم وواجباتهم، مع الشعور التام بالاطمئنان بأن كافة السياسات والإجراءات والقرارات تحمي حقوق الفرد وتعمل في صالحه. فهي الثقة التي تتجلى من خلالها مشاعر العاملين بالطمأنينة وحسن الظن والتفاؤل في المؤسسة وبالميدان الذي يعملون فيه.

ما أهمية الثقة في بيئة العمل؟

تشكل الثقة في بيئة العمل أو الثقة المؤسسية أحد الدعائم الأساسية التي تساعد المؤسسة على تدعيم فاعليتها وتحقيق أهدافها. وهي عنصرٌ مهمٌ للمنظمات، فحينما ‏يسود جوٌ من الثقة في بيئة العمل؛ فإن الأفراد يستطيعون الإفصاح عن أفكارهم ومشاعرهم، ويراعي بعضهم بعضًا، وتزداد فرص النمو والتطوير، وعلى الجانب الآخر فإن المنظمات التي تفتقر إلى وجود مستوى جيدٍ من الثقة التنظيمية، يلاحظ فيها قلة التعاون والالتزام والافتقار إلى التواصل الفعال والإبداع، والأسوأ من هذا حضور مشاعر الريبة والتشكيك بين الأفراد بأكثر من صورة.

أنواع الثقة المؤسسية: ‏

قد تكون الثقة شخصية، وقد تكون غير شخصية. أما الثقة الشخصية فقد قُسمت إلى نوعين: الثقة الجانبية أو الأفقية وهي التي تكون بين الزملاء داخل المنظمة. والثقة الرأسية وهي تلك التي تكون بين الموظفين والقادة. أما الثقة غير الشخصية، فيطلق عليها الثقة المؤسسية أو التنظيمية أو الثقة بالمنظمة، وهي تمثل ثقة الأفراد بالمنظمة التي ينتمون إليها، عاملين كانوا أم قادة. وتلك الثقة تظهر على السطح في بعض بيئات العمل، وتختفي تماما في بعض البيئات أو المؤسسات، والسبب في الحال الأول والثاني هي الممارسات الإدارية والتنظيمية والقيم السائدة في تلك البيئات.

أبعاد الثقة المؤسسية:

1- السياسات الإدارية:

‏إن قناعة الموظف بالممارسات الإدارية في مؤسسته، ووضوح السياسات الإدارية، وثباتها النسبي، يبعث الثقة والارتياح في نفوس الموظفين، ويعكس مستوى الرضا عن الحوافز وتوفر التدريب، والتدرج في السلم الوظيفي، وتقويمهم وفقاً لمعايير واضحة وعادلة، وإتاحة الفرصة للعاملين في المشاركة في صنع القرار واتخاذه، حيث تسهم تلك الممارسات في تشكيل مستوى الثقة التنظيمية لدى الأفراد في مؤسساتهم. حيث يعد وضوح السياسات الإدارية داخل المنظمات عاملاً مهماً لتحديد المسؤوليات والاختصاصات وعدم تداخلها والخلط بينها.

2- فرصة الابتكار وتحقيق الذات:

يتضمن هذا البُعد تفويض السلطات والصلاحيات، وثقة الادارة بقدرات الموظفين، وتقديرها لمجهوداتهم ومبادراتهم، وتشجيعهم على الابتكار والإبداع، والتجديد في أساليب العمل. كما يتضمن إعطاء الأفراد مساحة كافية لعرض أفكارهم، ومناقشة رؤاهم. فالموظفون هم العنصر الحاسم في الابتكار، بل هم أدوات الابتكار في المنظمات التي توفر لهم البيئة المناسبة، في حين أنهم أدوات الجمود في المنظمات التي تكون البيئة التنظيمية بها محبطة ومخيبة للآمال والتوقعات.

3- القيم السائدة في بيئة العمل:

من أهم ما يميز هذا البُعد احترام الإدارة للموظفين، والتعاون بين الأفراد العاملين في المؤسسة، وكفاءة الرؤساء، والعدالة في التعامل مع الآخرين. كما يشتمل هذا البعد على سعي المؤسسات إلى تطوير قدرات الأفراد، وتنمية مهاراتهم. ويشير العديد من الباحثين إلى أن نجاح المنظمات اليابانية يعزى إلى وجود مجموعة من القيم المشتركة ‏التي يؤمن بها كل فرد في المنظمة؛ نظراً لما تبذله المنظمات اليابانية من وقت وجهد في سبيل غرس هذه القيم في نفوس موظفيها. والقيم الإيجابية السائدة في المنظمة تدعم الأفراد معنوياً وتشجعهم على مواجهة المشكلات، والسعي لإيجاد الحلول لها بشفافية عالية، وعدم التستر عليها، مما ينعكس إيجاباً على أداء الأفراد ومنظماتهم.

4- دقة المعلومات وتدفقها:

يندرج تحت هذا البُعد عناصر تتعلق بمدى الانفتاح الداخلي والخارجي مع البيئة المحيطة للمنظمة، حيث إن توافر المعلومات من جهة، والحصول عليها في الوقت المناسب في القنوات التنظيمية ومصداقيتها من جهة أخرى، وإتاحتها للموظفين بيسرٍ وسهولة، والاهتمام بكافة المعلومات المقدمة من قبل كافة الأفراد العاملين في التنظيم، كل ذلك يعد من العناصر المهمة التي من شأنها أن تقود إلى الثقة التنظيمية في المؤسسات. كما تُعد قدرة الأفراد والعاملين على التواصل بكافة المستويات أمراً مهماً في تحقيق الثقة التنظيمية، ورفع مستواها لديهم. كما أن عجز الأفراد والعاملين عن التواصل مع الجهات الأعلى ليُعَدُّ سبباً رئيساً في ضعف الثقة لديهم. كما أن تكامل الإدارة والتخطيط في المنظمة يعتمد بالدرجةِ الأولى على ترشيد عملية المعلومات ودقتها.

كيف يمكن بناء الثقة في بيئة العمل؟

1- ‏توفير المنظمة للبيئة الآمنة المستقرة الموظفين، وذلك من خلال سياسات إدارية محددة تتمثل في العدالة، وتطبيق النظام على الجميع، واستخدام السلطة استخداماً إيجابياً من قِبل القيادات.

2- الاهتمام بالقيم السائدة بوصفها قاعدة للثقة لإشباع حاجات الانتماء لدى الموظف.

3- أن تعتمد المنظمات على بناء هياكل تنظيمية، وأساليب تشغيلية، تعتمد على الوثوق في قدرات الموظفين، واحترام آرائهم وإمكانياتهم، والثناء على مجهوداتهم في العمل، واستخدام الحوافز لتدعيم السلوك الإيجابي.

4- توفير بيئة تنظيمية تسمح للعاملين فيها باستثمار طاقاتهم الكامنة، وتدفعهم إلى التطوير والمشاركة في صنع القرارات، وتفويضهم بعض السلطات، وتشجيعهم على الابتكار.

5- إظهار اهتمام المنظمة بالمرؤوسين، والسعي لإنجاز الأعمال بدقة، ودعمهم في ظروفهم الخاصة.

6- إظهار المشكلات ومناقشة الأخطاء وتحمل المسؤولية الناتجة عن القرارات المتخذة.

7- وضوح رسالة المؤسسة من خلال تحديد دقيق لرؤية المؤسسة، وأهدافها الاستراتيجية.

بقلم: أ. دلال العريفي